جهودٌ مُخلصة لجمع شمل الأشقاء في البيت الخليجي

تتجه الأنظار في هذه الأيام للعاصمة العمانية مسقط التي استقبل فيها السلطان هيثم بن طارق حفظه الله، يوم الخميس الماضي رئيس الدبلوماسية القطرية الشيخ محمد بن عبدالرحمن ال ثاني، وذلك بعد زيارات مكوكية للوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية العماني للعديد من العواصم الخليجية؛ ناقلا رسائل لقادة هذه الدول، ونظرا لما تتمتع به السلطنة من حكمة معهودة في حل الخلافات بين دول العالم عبر تاريخها الحضاري والسياسي الطويل، ينظر المراقبون للشأن السياسي في المنطقة للقيادة العمانية التي تحظى بالثقة، وتملك مفاتيح الحل والعقد التي تمكنها من حلحلة هذا الملف الخليجي الساخن ؛ لكونها تقف على مسافة واحدة من جميع الأشقاء أعضاء المجلس، وتتمتع بعلاقات متميزة مع جميع أطراف الصراع.
من هذا المنطلق الآمال معقودة على القيادة الجديدة في السلطنة لأخذ زمام المبادرة، ووضع نهاية لهذه الأزمة التي عصفت بدول المنطقة وقسمتها إلى أجزاء متناثرة لا تسر أي صديق أو محب لشعوب الخليج، وقد تجاوزت الآن عامها الثالث دون بوادر حقيقية لحل الخلاف بين دولة قطر من جانب وكل من المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة من الجانب الآخر.
إن البيت الخليجي الحاضن للدول الست، الذي أسسه جيل القادة العظام الذين غيبهم الموت جميعا عن المشهد السياسي بعد إنجازات حافلة في مسيرة هذا المجلس الذي يتعرض منذ عدة سنوات للتهديد الوجودي ؛ خاصة بعد تسريبات غير مؤكدة عن نية دولة قطر بالانسحاب من عضوية مجلس التعاون الخليجي. لقد كان الهاجس الأمني السبب الرئيسي لقيام هذا التجمع الإقليمي، وذلك عشية انطلاق الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت 8 سنوات، فقد احتضنت مدينة أبوظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة أول قمة لقادة دول المجلس برئاسة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان- طيب الله ثراه – وأعلن فيها عن إنشاء المجلس، إذ هيمنت على القمة المخاطر التي تهدد شعوب المنطقة، وآليه مواجهتها؛ لضمان حماية أمن الخليج العربي من الطامعين بثروات هذه الدول النفطية، والموقع الاستراتيجي للمنطقة.

وعلى الرغم من التنسيق الأمني المشترك بين الأشقاء، وتأسيس قوة درع الجزيرة من الدول الأعضاء جميعا، إلا أن كل دولة خليجية عملت بمفردها لحماية أمنها القومي، وذلك عن طريق عقد اتفاقيات الدفاع مشترك مع الدول الكبرى خاصة الغربية منها؛ بهدف ضمان الأمن والاستقرار الداخلي لهذه الدول.

إن الحقيقة الغائبة عن الكثير منا تتمحور في الاعتقاد بعدم قدرة شعوب الخليج على حماية أوطانهم من الأعداء، عليه يجب أن يدرك الجميع في مجلس التعاون شعوبا وحكاما أن الذي سوف يحمي ويدافع عن التراب الوطني الخليجي هم أبناء الخليج انفسهم، وليس القوى الأجنبية التي تهدف من وجودها في هذه الدول الحصول على ثروات المنطقة بزعم الحماية. فإذا أحسنا استخدام الترسانات العسكرية التي أنفقنا عليها مئات المليارات من الدولارات ووجهناها للخارج وليس للداخل، وكذلك أهّلنا الكوادر الوطنية ومنحناها التدريب العسكري اللازم؛ سوف نتمكن من دحر الطامعين. فالحروب القادمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي المتمثل في الطائرات المسيرة والصواريخ العابرة للقارات الموجهة وليس الاشتباك المباشر بين الجيوش أو أعداد الجنود المرابطة على الثغور فقط.

إن تاريخ المنطقة يشهد بعزائم وقدرة أبناء الخليج على الدفاع عن التراب الوطني إذا ما تعاون الجميع في ما بينهم. لقد كان العمان وأئمتها وسلاطينها عبر التاريخ صفحات مشرفة وتكتب بماء الذهب في سبيل الذود عن الخليج العربي والجزيرة العربية. فالكل يتذكر نجدة الإمام الصلت بن مالك الخروصي الذي استعاد جزيرة سقطرى من الأحباش المعتدين، ثم إرسال الإمام المؤسس أحمد بن سعيد البوسعيدي ابنه هلال على رأس الأسطول البحري العماني؛ لإنقاذ البصرة من الحصار الفارسي. أما عند ما تعرضت الشقيقة الكويت للعدوان الغاشم من جارتها العراق قبل ثلاثين سنة، فكانت طلائع الجيش العماني التي أرسلها السلطان قابوس – طيب الله ثراه – في مقدمة جحافل تحرير الكويت، إذ كانت الكتيبة العمانية أول من دخل مدينة الكويت في فبراير 1991م.

إن المتابع للشأن الخليجي يدرك المأزق الحقيقي الذي يخيم على دول الخليج وشعوبها بلا استثناء في هذه الأيام خاصة، بعد انهيار أسعار النفط التي تعد صمام الأمان لاستقرار المنطقة، وكذلك الحرب المشتعلة في اليمن التي تعتبر الحديقة الخلفية لهذه الدول، خاصة عمان والسعودية التي تربطهما حدود مشتركة مع هذا البلد الشقيق الذي يتعرض لمؤامرات داخلية وخارج تهدد وحدة ترابه الوطني ومستقبله السياسي. يجب الاعتراف بأن طموحات الوحدة الخليجية قد انكسرت على جدران الخلافات العبثية التي تخلت عنها دول العالم في الشرق والغرب، وكانت القارة الأفريقية آخر من تخلى ونبذ الخلافات والمقاطعات بين تلك الدول.

لقد حان الوقت للحكماء في هذه الدول الخليجية؛ نبذ الضغائن والكراهية والبحث عن القواسم المشتركة التي تجمع ولا تفرق؛ لكي نخرج من عنق الزجاجة، وترجع شعوب الخليج وحكامها كالجسد الواحد. فخطر التشرذم والخلافات الخليجية؛ يهدد جميع أبناء المنطقة، ويساعد الطامعين بهذه المنطقة على تحقيق أهدافهم المدمرة.

صحيح أن مجلس التعاون لم يحقق إلا القليل من الإنجازات التي يسعى إليها المواطن الخليجي العادي الذي ينتظر في كل قمة خليجية قرارات شجاعة من قادة هذا التجمع الخليجي، هذه القرارات التي يفترض لها أن تمنح المزيد من الاندماج والمساواة بين أبناء الخليج، ولكن أبرز الذي نفتخر فيه المرور بالبطاقة الشخصية عبر المنافذ الحدودية والمطارات، حيث هناك بوابات خاصة تميز مواطني دول المجلس، وهذا المنجز أفضل على كل حال من إدارة ظهورنا لبعضنا البعض في هذا العالم الذي تحول إلى قرية كونية صغيرة.

لقد كتب الإعلام الخليجي الخاص منه والعام في الدول الأربع أسوأ فصول هذا الخلاف الذي بدأ منذ عام 2017م، وذلك بتفنن هذه الوسائل في خطاب الكراهية والحملات الدعائية المتبادلة بين الإخوة الذين يجمعهم الدين واللغة والتاريخ المشترك ، ولا يوجد ما يفرقهم عن بعضهم البعض ؛ غير صناع الكذب والفتن من الأبواق الإعلامية الخليجية من طرفي الصراع. لقد كنا إلى فترة قريبة نفتخر بهذه المؤسسات الإعلامية العملاقة، التي مكنتها الجهات التي تملكها من الحكومات الخليجية بالأموال التي جلبت لها المبدعين من مختلف الأقطار العربية، لكننا الآن نجدها تجنح إلى إثارة النعرات والفتن، وصب الزيت على النار من أجل إطالة هذه الأزمة غير المسبوقة في تاريخ المنطقة العربية بل والعالم. ولا يمكن هنا ونحن نتحدث عن الإعلام التقليدي، أن نتجاهل ما تزخر به منصات وسائل التواصل الاجتماعي، من وسوم بغيضة، تنقل الدعاية بكل أنواعها من خلال كتائب الذباب الإلكتروني المتمترس خلف الكواليس. ولعل ما يتم تداوله هذه الأيام من فبركة لحديث مزعوم بين المرحوم معمر القذافي والوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية العماني، خير دليل على دور الذباب الإلكتروني الذي يدار من قبل البعض في دول المجلس؛ بهدف إشعال الفتنة النائمة بين الأشقاء، وقد قيل قديما “الفتنة أشد من القتل”.

يجب أن يعلم الجميع أن عمان لا يمكن لها أن تطعن أحدا من الخلف، فلها سجل مشرف في احترام حق الجوار، خاصة الشقيقة المملكة العربية السعودية التي نحرص جميعا على المحافظة على وحدتها الوطنية بكامل ترابها المقدس.

وفي الختام، كلنا ثقة بقدرة القيادة العمانية على تحقيق طموحات أبناء المجلس وإزالة الخلافات الخليجية الخليجية؛ لتعود المياه إلى مجاريها، ونردد جميعا على الضفة الغربية للخليج العربي الأنشودة الجميلة التي تصدح على المسامع طوال أربعين سنة من عمر المجلس (خليجنا واحد).

د. محمد المشيخي

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
Open chat
أرسل كلمة