التطبيع يعني إنكار الحق وانتصار الباطل 

لا صَوت يعلو اليوم فوق صوت التطبيع مع كيان العدو؛ فقد قرر النظام الرسمي العربي -على ما يبدو- الانتحار على طريقته الخاصة عبر بوابة التطبيع مع العدو الصهيوني الغاصب وإقرار “حقه” في احتلال الأرض وهتك العرض وسفك الدم العربي على أرض فلسطين؛ فالتطبيع ليس مصطلحا رديفا للسلام، ولا صيغة مستحدثة للتعايش بين شعوب وأقطار متناحرة، ولا دعوة إنسانية لتعايش مكونات وطن بعد حرب أهلية؛ بل مصطلح وظيفي نُسج خصيصا لخدمة كيان لقيط وغاصب لا تسري عليه أي قوانين ولا أي تعريفات تعارف عليها البشر في مفاهيم وقواعد العلاقات الدولية ولا القانون الدولي ولا الموروث القيَمي الإنساني.

فالكيانُ الصهيونيُّ عبارة عن عصابات تسللت عبر الانتداب البريطاني والاسترخاء العثماني وبدعم مالي/إعلامي سخي من الوكالة الدولية اليهودية لتشجيع يهود العالم على الهجرة إلى “أرض الميعاد” فلسطين، وأرض الميعاد هذه هي في حقيقتها وعبر جميع الكتب السماوية أرض محشرهم وعقابهم النهائي، لا أرض مجدهم وعلوهم الثاني في الأرض، لهذا تجنبها “عقلاء” اليهود في العالم وأطلقوا على من صدق أكذوبة فلسطين أرض الميعاد بـ”اليهود الأغبياء”. ومن يهرول للتطبيع اليوم ويسوغ له كملاذ حتمي وأخير للصراع العربي الصهيوني، عليه أن يقرأ أحد الكتب السماوية الثلاثة فقط حتى يفوز بالحسنيين: الإدراك والنجاة. وهذا أضعف الإيمان وأقصر الطرق لفهم اليهود واليهودية ومصير من أخرجوا المؤمنين من ديارهم وكيفية التعامل معهم. المطبِّعون اليوم من النُّظم الرسمية العربية أخرجوا أنفسهم طوعًا وبكامل وعيهم من التصنيف الديني والسياسي والقانوني والاخلاقي؛ فسلوكهم غير مبرَّر من أي دين سماوي أو وضعي، ولا يتوافق بتاتًا مع قواعد السياسة ولا القانون الدولي، ولا الموروث القيمي الإنساني في دفع الباطل والانتصار للحق.

النظامُ الرسميُّ العربيُّ اليوم ترك جميع الخيارات التاريخية والمعاصرة للسلام والاستسلام والتطبيع…إلخ، من القرارات الأممية 242 و338، والتي تمنح الفلسطينيين “الحق” في أراضي ما قبل 4 يونيو 1967م، لإقامة دولتهم وعاصمتها القدس دون أي شروط تطبيع أو تنازلات جسيمة منهم أو من بقية الأقطار العربية الأخرى، وصولًا إلى ما سُميت بالمبادرة العربية في القمة العربية ببيروت عام 2002م، والتي نصَّت على مبدأ الأرض مقابل السلام، مُرورًا بتفاصيل عميقة أو هامشية لاتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو ومدريد، وقفزوا إلى الهاوية عبر صيغ صفقة القرن والتطبيع!! أي تمكين العدو من كل شيء أولا وتطهيره من جميع المؤبقات والأدران، ثم التفاوض معه كمحتلٍّ ومُدان!!

أنْ يصبح التطبيع الصهيوني مع الأقطار العربية التي لم تكن يومًا طرفًا مباشرًا في الصراع العربي الصهيوني كأقطار الخليج، فهذا يحمل دلالات ومؤشرات أخرى عميقة مفيدة جدًّا للكيان الصهيوني ورعاته، وكارثية جدًّا على أقطار الخليج المُطبِّعة كأقطار وشعوب ونُظم سياسية. فبكل تأكيد، الكيان الصهيوني لا يخشى القوة العسكرية ولا الاستخباراتية لأقطار الخليج، بل سيكون هو بمثابة القائد للحالتين في المنطقة ويطمح لتأهيله من قبل رُعاته الأمريكان والاتحاد الأوروبي، ليقوم بوظيفة شرطي الخليج والبحر الأحمر بذريعة مواجهته لـ”وهم” اسمه المدّ الإيراني، وفي المقابل يستنزف ما تبقى في خزائن أقطار الخليج ومدخرات شعوبها، تحت تلك الذريعة وفي تفاصيل التطبيع الاقتصادي معها، وبالتالي حرّف مسار تلك الأموال عن النفع العربي الثنائي أو الإقليمي، وكما كانت عليه الحال في السابق.

وأخيرًا.. أعود لتذكير المُطبعين بالحقائق الدامغة التالية:

– لم يحقق الكيان الصهيوني أي انتصار عسكري على العرب منذ معركة الكرامة مع الجيش العربي الأردني عام 1968م ولغاية اليوم.

– حلم الكيان الصهيوني بتحقيق أو تطبيع نفسي مع الدروز بعد احتلال الجولان عام 1967م، وذلك بترغيبهم في إقامة دولة درزية معترف بها دوليًّا مقابل التطبيع مع الكيان الصهيوني، فكان رفض دروز الجولان القطعي للعرض واعتزازهم بانتمائهم العربي السوري صادمًا لهم.

– لم يلتزم الكيان الصهيوني بأي اتفاقيات أبرمها مع طرف عربي من كامب ديفيد إلى وادي عربة إلى أوسلو، بل كان يعتبر كل اتفاقية مدخلًا شرعيًّا له للاختراق والتموضع أكثر في مفاصل الدولة والمجتمع.

– حين يأتي التطبيع في زمن قوة المقاومة وخوار قوة الصهاينة؛ فهذا يعني أن التطبيع لخذلان المقاومة ونصرة الكيان الصهيوني.

– حين يأتي التطبيع في زمن إيران الثورة وحيويتها وتعافي سوريا، وحزب الله وأنصار الله وفصائل المقاومة والحشد الشعبي، فهذا يعني أن الكيان ورعاته اختاروا المطبعين كدروع بشرية لهم.

– في العام 1982م استباح الصهيوني آرئيل شارون قصر بعبدا الرئاسي ببيروت كتعبير عن انتهاكه لسيادة دولة عربية وفي وضح النهار، واليوم يرسل الكيان الصهيوني رسالة اعتذار عبر وسيط لقيادة حزب الله عن مقتل عنصر للحزب بمطار دمشق بزعم الخطأ، فيا لغرابة التطبيع والمطبعين!!

– الحالمون بنقل التقنية والعلوم من الكيان الصهيوني نذكرهم بالبذور والأسمدة الفاسدة والمسرطنة والأوبئة الفتاكة التي سربها الكيان في أقطار التطبيع.

– التطبيع يعني المواجهة الحتمية بين النًظم الرسمية والشعوب في الأقطار المطبعة، أي قمع الشعوب مقابل حماية الكيان والعروش، وفي لحظة فارقة تُطلق الشعوب على نُظمها شعار “ارحل”، وبمباركة ودعم من الصهاينة ورعاتهم لإعادة التموضع والتمكين مجددًا.

– التطبيع يعني تغليب %5 من العرب ضد إرادة ورغبة %95 وبالنتيجة صراع حتى التحلل بين مكونات الدولة الواحدة.

– التطبيع يعني فتح الأقطار المُطبعة لجبهات مجانية ضدها مع شعوبها ومحور المقاومة بالإكراه وبالنيابة عن الكيان الصهيوني ورعاته.

– سيتسلل الكيان الصهيوني ويخترق أقطار الخليج المُطبعة بكل شرعية وارتياح عبر قوانينها وتشريعاتها السارية منها والمُلزمة لها، كقوانين الاستثمار الأجنبي والتملك العقاري للأجانب والمقرون بالإقامة الدائمة، وقانون التجنيس، وقوانين أندية الجاليات والإعلام الخاص والمدارس والمؤسسات التعليمية الخاصة، واتفاقيات دولية كالتجارة الدولية… وغيرها.

– سيعمل الكيان ورعاته على صهينة المجتمعات المُطبعة أولًا وصولًا إلى صهينة الأقطار كهدف نهائي؛ فالتوسع والاستيطان إستراتيجيته البعيدة فما كان يحلم بنيله بالحرب أتاه طوعًا وبالمجان ليمارس تهويده في جغرافيات فاقدة للمناعة كأقطار الخليج.

وبالشكر تدوم النعم..

—————————-

قبل اللقاء:

كانت العرب فيما مضى من الزمن تردد مقولة: “المستحيلات ثلاثة: الغول، والعنقاء، والخل الوفي”، واليوم نقول نحن عرب هذا الزمان لا “أعرابه”: “المستحيلات أربعة، الغول، والعنقاء، والخل الوفي، والتطبيع مع الصهاينة”. فالتطبيع باختصار شديد وغير مُخل، هو محاولة إقناع عرب اليوم والأجيال القادمة بأنَّ الشمس لم تعد تشرق من المشرق وتغيب في المغرب، بل أصبحت تشرق من المغرب وتغيب في المشرق وعلينا تصديق ذلك!!

علي بن مسعود المعشني

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
Open chat
أرسل كلمة