يا ليتها… لأمي

في حفلها السنوي المهيب الذي تنظمه الجامعة لطلابها الخريجين من مختلف التخصصات والشهادات، تخرج سعيد مع زملائه الخريجين من كلية الهندسة بتقدير جيد جدا، نال على إثرها درجة البكالوريوس، يوم ارتسمت فيه الفرحة على وجوه أفراد عائلته و أصدقائه، بعد سنوات من الجد والإجتهاد وأحيانا البؤس والمشقة والحرمان، أنتهت سنوات الجلوس في قاعات المحاضرات الدراسية، والبحث لساعات طويلة بين أرفف المكتبة واختيار الكتب المناسبة لتحضير التقارير والبحوث، أما الآن فقد بدأت رحلة أخرى في البحث عن العمل واكتساب الرزق، له ولعائلته بعد انتظار طال أمده، خلال الفترة الماضية كانت العائلة معتمدة على الراتب التقاعدي لوالدهم الذي توفاه الله إثر حادث أليم أثناء تأديته لعمله الميداني، كان سعيد في ذلك الوقت في مرحلة دراسة الدبلوم الثانوي، وهو الولد الأكبر والوحيد في العائلة مع ثلاثة من الأخوات، العبء الأكبر لتحمل مسؤوليات العائلة سوف يقع على عاتقه، قرر بعد إنتهاء الإمتحانات، البحث عن عمل، يجعل العائلة تعيش في مستوى أفضل دون الحاجة لسؤال الآخرين، عارضت الأم وجهة نظر إبنها سعيد، واصرت عليه بضرورة مواصلته للدراسة، ولو أجبرها ذلك على ضرورة إلتحاقها بعمل، او احتراف مهنة شريفة تساعدها في تغطية نفقات و متطلبات البيت والعائلة. بعد نقاش طويل، ورد وعطا، وإمعان في التفكير، قرر مواصلة دراسته، وها هو اليوم يجني ثمار جهده وإجتهاده متوجا بالفرحة العارمة السعيدة في نفوس عائلته وأحبابه.
إن الرحلة لم تتوقف بعد عند محطة النجاح والتخرج، بل هناك ما ينتظره لإستكمال جولته المكوكية في البحث عن عمل شريف مناسب،  اخذ منه البحث والتجوال في متاهات القطاع العام والخاص سنة كاملة، هيأ فيها نفسه في كيفية كتابة سيرته الذاتية، وإجراء الإختبارات والمقابلات الشخصية، من خلال التقصي في مواقع التواصل الإجتماعي، والإطلاع على بعض النماذج المتوفرة و المعروضة على صفحاته المختلفة، أو الإستماع للعديد من المحاضرات المرئية بإدارة محرك جوجل، في مواقعه المتعددة والمتنوعة. برغم ما يمتلكه سعيد من مؤهل أكاديمي، وما اكتسبه من معلومات كافية خلال مطالعاته المتكررة، وثقته الكبيرة بنفسه في النجاح لأدائه الجيد في العديد من المقابلات و الإختبارات ،إلا أن ذلك كله لم يشفع له في الحصول على وظيفة تتناسب ومؤهله العلمي، مما اضطره أخيرا للتنازل والقبول للعمل في وظيفة متواضعة يستطيع من خلالها مساعدة العائلة، وبالفعل عمل في شركة خاصة براتب اقل مما يستحقه.
بعد مرور عامين، وبينما كانت الأم تحضر طعام العشاء، احست بدوار ، لم تتمالك نفسها ولم تستطع ان تسيطر على أتزانها، سقطت على أثره على أرضية المطبخ فاقدة الوعي، يصرخ أبناؤها أماه.. أماه.. يتم نقلها إلى المستشفى، يجري لها أشعة مقطعية، وكذلك باقي الفحوصات اللازمه ، الأبناء في توتر وترقب لمعرفة حال الأم، معرفة نتيجة الفحوصات الطبية، الدقائق والثواني تمر ببطء شديد، الأعين شاخصة إلى السماء، والالسن ضارعة بالدعاء، بعد مرور ساعتين يخرج الطبيب ليبلغهم بأن والدتهم مصابة بمرض خبيث، ربما علاجه عسير، وشفاؤه شبه مستحيل، نزل الخبر كالصاعقة على قلوب أبنائها، احتارت عقولهم ماذا يفعلون، وكيف لهم أن يتصرفوا، بقيت الأم في المستشفى تحت مراقبة وعلاج الأطباء، ولكن مع مرور الزمن، سائت حالتها، وبدأ المرض ينهك جسدها، سلب الإبتسامة والفرح من قسمات وجهها، احتارت العائلة وهى تراقب ربة البيت، صحتها تنهار بين أيديهم، وجسدها ينصهر كالشمعة المحترقة في ذوبانها، آلامها لا تطاق، ونظرات عينها تخترق الأفئدة والقلوب، تدعوا وتنادي لهفة الإنقاذ، طرق الأبناء كل الأبواب و السبل من أجل مساعدتهم في تسفيرها للعلاج خارج البلاد، وخصوصا بعدما يئس الأطباء من علاجها، وقرر المستشفى تسريحها ليتكفل أبناؤها برعايتها، وإعطائها مواعيد محددة للمراجعة لأخذ جرعات العلاج في المستشفى واستلام الأدوية، لم يتحمل سعيد هذا الوضع المأساوي لأمه، قرر استلاف مبلغا من المال من احد البنوك، وها هي الآن تعالج في الخارج، بوادر الشفاء بدأت تظهر على جسد ام سعيد، وتحسن ملحوظ على ملامح وجهها، لكن العلاج يأخذ وقتا طويلا، وليس لدى سعيد المال الكافي للاستمرار في علاج امه بالخارج، نظرا للتكلفة المالية العالية، وانقطاعه عن العمل لمدة تجاوزت فترة الإجازة المسموحة، والعطلة الممنوحة، على ضوئها قررت الشركة تسريحة من العمل، سبب له كل ذلك عجزا تاما في الوفاء بسداد دينه، وعبئا في تحمل مسؤوليات نفقات بيته وعائلته، رجع قافيا إلى البلاد بصحبة أمه دون استكمالها للعلاج المطلوب، مترقبا خائفا ما يؤول إليه الحال، رفعت عليه دعوى قضية من البنك، مطالبا بسداد ما اقترضه مع الفائدة وتكلفة المحاماه، رأى نفسه عاجزا مكبل اليدين في الحصول على المال وسداد الدين، حكم القاضي بإدخاله السجن، ولم تمضي إلا أسابيع قليلة، إلا وأم سعيد تلفظ أنفاسها الأخيرة، مودعة دون أن تكتحل عينيها برؤية إبنها المركون في غياهب السجن، علم سعيد بخبر وفاة أمه، فاقشعر جسده، وتلعثمت كلماته، وتشتت أفكاره، ماذا يفعل في هذه اللحظات وهو بعيدا عن أمه التي فارقت الحياة، واخواته الثلاث في ظل هذه الظروف بحاجة إلى حضنه ودفئه، إلى لملمة جراحهم، وإيقاف نزيف ادمعهم، وإنتشال العائلة من كبوتها المؤلمة.
حز في نفس بعض المعارف من أصحاب الخير، ما يجرى لهذه العائلة الفاضلة، وما مرت به من نكبات، وتجرعها لمرارة الفراق، بأن تعيش بلا راع ولا مسؤول يتولى تلبية طلباتها، ويحمي حمى ذراريها. فعملت جاهدة بتجميع التبرعات من أهل البر والإحسان، وخلال أسابيع قليلة، تم تسديد الدين للبنك مع توفر مبلغ إضافي تم تسليمه لسعيد لفتح مشروع، يسترزق منه لتغطية نفقات العائلة ومتطلباتها. نظر سعيد في وجوه أصحابه، بعين حزينة وقلب جريح منكسر،وهو يستلم المبالغ المالية مرددا: يا ليتها… لأمي ، ياليتها… لأمي ، ثم شكر الله بأن سخر له من عباده من يدبر أمره، وأخرجه من السجن لإحتضان عائلته للقيام برعايتها وحمايتها من نوائب الزمان. ثم سجد لله شكرا وتضرعا.

حمد بن سعود الرمصاني
أبو سلطان

#عاشق_عمان

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
Open chat
أرسل كلمة